Yahoo!

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

                                             المتنبي


بين القول والعقل والحرية

كتبهاالأخضر فنغور ، في 31 أغسطس 2007 الساعة: 01:40 ص

هل تعلم أيها الأعزاء كم فرحت يوم استطعت أن أجعل لنفسي مساحة في شبكة الأنترنيت، وذلك عبر موقع إلكتروني مجاني، وفرحت مرة أخرى

هل تعلمون أيها الأعزاء كم فرحت يوم استطعت أن أجعل لنفسي مساحة في شبكة الأنترنيت، وذلك عبر موقع إلكتروني مجاني، وفرحت مرة أخرى لما وجدت أن باستطاعتي أن أفتح مدونة أخرى، وبالمجان أيضا، ووصلت إلى مدونة أخرى وأدركت أن ما أمارسه حقيقة وليس حلما، عندما أقول لكم، أنني أحتل مساحة بالمجان، فإنني لا أعني عدم دفع ما يقابلها من الدرهم والدينار، ولكن مجانية من الثمن الذي تدفعه، وأنت مضطر للتنازل عن شيء يسمى عزة النفس لهذا أو ذاك، فلأن على امتداد هذا الوطن الكبير نكون قد فقدنا حرية القول، وتحديدا لا أقول “حرية التعبير” ولربما منذ زمن بعيد، فلأن الذين يملكون في وطني الحق في الترخيص بالكلام، لا تجدهم إلا عبيدا هذا لمن هو أقوى أو أعلى منه بشكل تصاعدي، إذن عليك، أنت أيضا إذا أردت أن تتكلم ولو في شيء عاد، أن تدفع لهم بالوكالة ضريبة حرية القول، لمصلحة شخص قد تعرفه وقد تجهله، وهي على الأقل ارتباطك به بشكل مباشر أو عن طريق علاقة متعدية، والتنازل على جزء من كرامتك له وخضوعك له في ما سينشره لك، سواء قال لك أو لم يقل، لأنك في كثير من الأحيان ستجد نفسك ممارسا للرقابة الذاتية، واضعا لنفسك الرواق الذي تمر فيه، وتحرص حرصا شديدا ألا تتجاوز الحدود المرئية وغير المرئية الواجب عدم تخطيها، ومن تعداها فقد ظلم نفسه.

فرحتي لم تكن لأنني سأقول، فالقول قد يكون مجردة ثرثرة، قد يكون شيئا إنسانيا، أو قد يكون كما تقوم به جميع الحيوانات، بأصواتها وإيماءاتها، أو بمختلف حركاتها الغريزية. ولكنه القول المقترن بالعقل الواعي، القول المعبر، المحدث للتواصل بين بني البشر في التعبير عما هو مادي ملموس وما هو مجرد، إنه التعبير عن الحال الذي يشكل سماتنا المشتركة كشعب وكأمة.

وحتى في اللغة العربية يكون “القول” أول إشارة لعملية التحدث فنقول على سبيل المثال “قال الشاعر” ويقول أحدهم بعد أن يسمع “لقد أفصح وأبان” ثم يقول آخر “لقد عبر عما يختلج في صدورنا” إذن فالكلام مراحل من القول إلى الإبانة ثم الإفصاح ثم التعبير، وأنا متأكد أن في وطننا العربي قد تقهقرنا إلى مرحلة القول، وأخص على الأقل الجزائر، التي أصبحنا فيها بلا لغة توحدنا، نتخاطب بها، ونتواصل، لغة نجمع بها شتات شيء يسمى هوية، هذه الأخيرة التي ما فتئت تؤول إلى الاندثار بشكل نهائي، أقسى علينا وأمر مما كان في عهد الاستعمار، إذ كان الفرنسيون في المرحلة الأولى من الغزو يسموننا “العرب” “Les Arabes” وفي مرحلة تالية صاروا يوسمون بطاقاتنا بكلمة فرنسي مسلم (Français musulmans) بعد أن استطاع بعض الجزائريين أن يحصلوا على الجنسية الفرنسية، وذلك كي يفرقوهم عن المستعمرين الأوروبيين وعن اليهود من أصل جزائري، وكذلك كانت طريقة كي يعلنوا انفصال الجزائر عن امتدادها الإقليمي والتاريخي العربيين. فالدين لا يشكل هوية شعب أو أمة بل هو مجرد جزء منها فقط، فليس من الضرورة أن يكون الفرنسي مسيحيا، ولكن من الضروري أن يكون فرنسيا في انتمائه الحضاري والتاريخي.

لقد استمر فقدان الهوية، في الجزائر، بعد الاستقلال أو غموض الانتماء على أقل تقدير ليظهر في سنوات الثمانينات في ترقيم لوحات السيارات التي لا تحمل حروفا واقتصرت على الأرقام فقط باعتبار هذه الأخيرة حيادية، أي أننا بلا هوية إلى حين إثبات انتمائنا لحضارة ما، أو في انتظار تشَكُّل هوية ما، أو انقراضنا على الإطلاق كشعب وكأمة، وما أشبهنا في ذلك حسب علمي بدولة واحدة هي “إسرائيل”، فهذا لم يكن من قبيل الصدفة، بل جاء لأن من يقول بأن الجزائر فرنسية مازال في الحكم ويتمتع بالجنسية الفرنسية كجنسية أصلية، إلى جانب جنسيته الجزائرية الأصلية أيضا، هذه الأخيرة، للأسف الشديد، لا يحتاجها إلا لقضاء حاجته في أرض المليون ونصف المليون شهيد. فإسرائيل دولة قامت على أساس ديني استوعب مختلف القوميات في العالم ، فهذا من أمريكا وذاك من روسيا والآخر من أثيوبيا، ومن ثم فلا يمكنها تشكيل هوية إسرائيلية واضحة المعالم إلا بتوقف هجرة اليهود من مختلف بقاع العالم، واتفاق المجتمع على ثقافة ولغة معينة مشتركة، إذن تبقى الأرقام، هي الحل الوحيد، في غياب الحرف الذي يجمع شتات شعب لم تكتمل بعد هويته.

أنا لا ألغي الامتدادات التاريخية للجزائر، ولكن لا يمكن أبدا أن نجعل روما امتدادا حضاريا لنا، لنفس السبب الذي يجعلني أرفض لأجله انتماءنا إلى الحضارة أو الثقافة الفرنسية، وهو أن الاثنين جاءا مستعمرين هدفهما الاستيلاء على الأرض واستغلال السكان المحليين، وليس نقل الحضارة، وهذا باعتراف كبار سياسييهم ومفكريهم آنذاك.

ونرجع للكلام عن حرية التعبير، فنقول أن الذي لا يملك لغة لا يملك بالضرورة حق القول، لأنه أصلا فاقدا للوسيلة، والذي يفتقد القدرة على القول لا يمكنه أبدا أن يفكر. لأن اللغة هي الدعامة الأساسية للتفكير.

إن ما يمنحنا اليوم مساحة للبوح بهذه الحرية الشبه متناهية، هو حضارة إنسانية تأسست على عبارة بسيطة ومختصرة ” أنا أفكر إذن أنا موجود”.

إن إحساسي بالفرح هو إحساس بتحقيق وجودي كإنسان، لا كرعية لحاكم آمن بأنه هو الرب، بأي شكل من الأشكال، حاكم راح يميع الحرية ويبرر وجودها في الإسلام قبل 15 قرنا في قول عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وتجاهل أن هذه العبارة تنطوي على أنه من الجائز ممارسة حق السيد المالك على من ولدتهم أمهاتهم عبيدا. فالرق مباح دينيا وعمر بن الخطاب في قولته لا يتناقض مع القرآن أو السنة. ولكن علينا فقط، حتى نكون منصفين لأنفسنا، حين يبخسنا الآخرون حقنا، أن نؤكد أن الحضارة العربية الإسلامية قد لعبت دورا، في تطوير فكرة حق كل الناس في الحرية، سواء في إعطاء صفة البشر للرقيق وفي المساهمة في التقليل من العبيد على الأقل من خلال تضييق مصادر الرق، والإكثار من أسباب العتق، على عكس ما كان سائدا في المجتمعات القديمة المعاصرة لتلك المرحلة.

لقد فرحت لأنني استطعت أن أحوز مساحة للبوح، دون أن يحكمني قانون جائر، فأصبح تحت رحمة موظف لسبب أو لآخر يمتنع عن إعطائي وصلا يثبت تسليمي إياه ملف طلب التصريح بتأسيس جريدة.

قد أسأل عن أفكاري وقد أضايق بسببها من هذا أو ذاك ولكن أنا أعرف جيدا أنه لا أحد يستطيع أن يصادرها. فحتى لو صادروا الحاسوب الذي أتصل منه وحرموني من خط هاتفي، فإنهم لا يستطيعون أن يضعوا أمام باب كل قاعة إنتيرنيت شرطيا كي يمنعني من الدخول إليها وألقي إليكم، عبر الشبكة العنكبوتية، بتحية حرية التعبير والتفكير.

المهم أنا أيضا أومن أن وجود الإنسان لا يتحقق إلا حين يفكر، والتفكير في رأيي لا أن نسلم بالمقولات دون أن نتشكك فيها، فنخضعها لمعيار يؤسسه هذا العقل الإنساني الواعي.  فاليقين لا يمر إلا بالشك، وما هو يقين اليوم سيتجاوز الزمن في الغد يقينيته، لأن الشمس التي طلعت بالأمس ليست بالتأكيد هي نفسها التي طلعت اليوم. وأنا بالأمس لن أكون أنا اليوم. ولا يمكن أن يتحكم في هذا التغير الدائم سوى العقل، من أجل المحافظة على توازن الكون، واستمرار الحياة، فلنفكر أيها العرب جميعا بما فيهم الأمازيغ والتركمان والفينيقيين والآشوريين والفرعونيين كي نتحرر من أنفسنا، ومن الآخرين، فنشكل هوية اسمها اسمنا دعامتها الحرية ولا شيء غير الحرية، لا تحكمها إلا القيم التي يفرضها الوعي الإنساني الشامل المتكون منذ الخليقة الأولى للإنسان، إلى يومنا هذا، ونستعيد المضيء من تراثنا، كي نجد طريقا للمستقبل، ومكانا تحت الشمس، مع الشعوب التي تحيا، فنبرهن لها أننا فعلا أحرار والحر لا يمكنه أن يظلم أبدا.

المهم في الأخير شكرا لكل من ساهم من بعيد أو قريب في إعطائي مساحة للبوح، وكفل لي حرية التعبير، وتعدى قولي مرحلة القول ليتصل بالعقول النيرة، مليئا بالحب لكل الناس، في أي مكان في العالم. 

الأخضر فنغور

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عادة صباحية | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك